الراغب الأصفهاني
232
الذريعة إلى مكارم الشريعة
استحسان معرفة أنواع العلوم حق الإنسان ألا يترك شيئا من العلوم أمكنه النظر فيه ، واتسع العمر له إلا ويخبر بشمه عرفه وبذوقه طيبه ، ثم إن ساعده القدر على التغذي به والتزود منه فبها ونعمت ، وإلا لم يبصر - لجهله بمحله وغباوته عن منفعته - إلا معاديا له بطبعه . فمن يك ذا فم مر مريض * يجد مرا به الماء الزلالا « 1 » ومن جهل شيئا عاداه ، فالناس أعداء ما جهلوا ، بل قال اللّه تعالى : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ « 2 » . وقد حكى عن بعض فضلاء القضاة أنه رئى بعد ما طعن في السن وهو يتعلم أشكال الهندسة ، فقيل له في ذلك . فقال : وجدته علما نافعا فكرهت أن أكون لجهلي به معاديا له . ولا ينبغي للعاقل أن يستهين بشيء من العلوم ، بل يجب أن يجعل لكل واحد حظه الذي يستحقه ، ومنزلته التي يستوجبها ، ويشكر من هداه لفهمه ، وصار سببا لعلمه ، فقد حكي عن بعض الحكماء أنه قال : يجب أن نشكر آباءنا الذين ولدوا لنا الشكوك إذ كانوا أسبابا لما حرك خواطرنا للنظر في العلم ، فضلا عن شكر من أفادنا طرفا من العلم ، ولولا مكان فكر من تقدمنا لأصبح المتأخرون حيارى قاصرين عن معرفة مصالح دنياهم فضلا عن مصالح أخراهم . فمن تأمل حكمة اللّه تعالى في أقل آلة يستعملها الناس كالمقراض حيث جمع
--> ( 1 ) هو للمتنبي في ديوانه / 141 . ( 2 ) الأحقاف / 11 .